عبد القادر الجيلاني
261
فتوح الغيب
وتريد ضدّها إلى أن يأتيه اليقين يعني : الموت . فإن قيل : كيف تأبى نفس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم العبادة ، وهو عليه الصّلاة والسّلام لا هوى له : وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [ النجم : 3 - 4 ] . فيقال : إنّه عزّ وجلّ خاطب نبيّه صلّى اللّه عليه وسلم ليتقرّر به الشّرع فيكون عامّا بين أمّته إلى أن تقوم السّاعة ، ثمّ إنّ اللّه عزّ وجلّ أعطى نبيّه عليه الصّلاة والسّلام القوّة على النّفس والهوى ، كيلا يضرّاه ويحوجاه إلى المجاهدة ، بخلاف أمّته ، فإذا دام المؤمن على هذه المجاهدة إلى أن يأتيه الموت ويلحق بربّه عزّ وجلّ بسيف مسلول ملطّخ « 1 » بدم النّفس والهوى أعطاه ما ضمن له من الجنّة ، لقوله عزّ وجلّ : وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ( 40 ) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى [ النازعات : 40 - 41 ] . فإذا أدخله الجنّة وجعلها داره ومقرّه ومصيره ، أمن من التّحويل عنها والانتقال إلى غيرها والعود إلى دار الدّنيا جدّد له كلّ يوم وكلّ ساعة من أنواع النّعيم وتغيّر عليه أنواع الحال والحليّ إلى ما لا نهاية له ولا غاية ولا نفاد ، كما جدّد هو في الدّنيا كلّ يوم وكلّ ساعة ولحظة مجاهدة النّفس والهوى . وأمّا الكافر والمنافق والعاصي لمّا تركوا مجاهدة النّفس والهوى في الدّنيا وتابعوها ، ووافقوا الشّيطان ، تمرّغوا « 2 » في أنواع المعاصي من الكفر والشّرك وما دونهما حتّى أتاهم الموت من غير الإسلام والتّوبة ، أدخلهم اللّه النّار الّتي أعدّت للكافرين في قوله عزّ وجلّ : وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ [ آل عمران : 131 ] . فإذا أدخلهم بها وجعلها مقرّهم ومصيرهم وأمّهم ، فأحرقت جلودهم ولحومهم جدّد لهم عزّ وجلّ جلودا ولحوما كما قال عزّ وجلّ : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها [ النساء : 56 ] . يفعل عزّ وجلّ بهم ذلك كما وافقوا أنفسهم وأهواءهم في الدّنيا في معاصيه عزّ وجلّ ، فأهل النّار تجدّد لهم كلّ وقت جلود ولحوم لإيصال العذاب والآلام إليهم ، وأهل الجنّة يجدّد لهم كلّ وقت نعيم لتتضاعف الشّهوات واللّذّات لديهم .
--> ( 1 ) في نسخة : ( مطلخ ) . ( 2 ) تحرف في المطبوع إلى : ( تمرجوا ) وهو المتمرّغ في الرذائل .